ابن أبي الحديد
15
شرح نهج البلاغة
وفيها تصريح بالرفض مع ذلك فوجدها القادر تمره ( 1 ) الغراب ، وأبرزها إلى ديوان الخلافة ، فقرئ المجموع والقصيدة بمحضر من أعيان الناس من الاشراف والقضاة والمعدلين والفقهاء ، ويشهد أكثرهم أنه خطه ، وأنهم يعرفونه كما يعرفون وجهه ، وأمر بمكاتبة شرف الدولة بذلك ، فإلى أن وصل الكتاب إلى شرف الدولة بما جرى ، اتصل الخبر بأبي القاسم قبل وصول الكتاب إلى شرف الدولة فهرب ليلا ، ومعه بعض غلمانه ، وجارية كان يهواها ويتحظاها ، ومضى إلى البطيحة ثم منها إلى الموصل ، ثم إلى الشام ، ومات في طريقه . فأوصى أن تحمل جثته إلى مشهد على ، فحملت في تابوت ، ومعها خفراء العرب حتى دفن بالمشهد بالقرب منه عليه السلام ( 2 ) . وكنت برهة أسال النقيب أبا جعفر عن القصيدة وهو يدافعني بها ، حتى أملاها على بعد حين ، وقد أوردت هاهنا بعضها ، لأني لم أستجز ولم أستحل إيرادها على وجهها ، فمن جملتها - وهو يذكر في أولها رسول الله صلى الله عليه وآله ، ويقول : إنه لولا الأنصار لم تستقم لدعوته دعامة ولا أرست له قاعدة ، في أبيات فاحشة كرهنا ذكرها نحن الذين بنا استجار فلم يضع * فينا ، وأصبح في أعز جوار بسيوفنا أمست سخينة بركا * في بدرها كنحائر الجزار ولنحن في أحد سمحنا دونه * بنفوسنا للموت خوف العار فنجا بمهجته ، فلو لا ذبنا * عنه تنشب في مخالب ضار وحمية السعدين بل بحماية السدين يوم الجحفل الجرار في الخندق المشهور إذ ألقى بها * بيد ، ورام دفاعها بثمار قالا : معاذ الله إن هضيمة * لم نعطها في سالف الاعصار
--> ( 1 ) يقال إذا أصاب الرجل عند صاحبه أفضل ما يريد من الخير والخصب : وجد تمرة الغراب ، وذلك أن الغراب إنما يبتقي من التمر أجوده . ثمار القلوب 366 ( 2 - 2 ) ج ( بالغري ) . ( 3 ) سخينة : لقب قريش ، وفى ا ، ج ، : ( تركا )